الثقافة السياسية وأثرها على صناعة القرار السياسي الخارجي | المكتبة الدبلوماسية

الثقافة السياسية وأثرها على صناعة القرار السياسي الخارجي

تلعب الثقافة السياسية : وهي مجموعة المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والأفكار التي تكون المجتمع سياسيا , والأنماط التي يمارسها المواطنين في تلك البيئة , والتي تظهر سلوكهم وحركتهم وردود أفعالهم تجاه العملية السياسة , بشقيها الأسطوري : او ما يعرف بالأساطير المؤسسة للسياسة الخارجية للدولة , والواقعي : المستمد من ممارساتها اليومية وأخلاقياتها الإنسانية والقومية , المتعلقة بالشؤون السياسية ونظام الحكم في الدولة , دور هام وبالغ الخطورة في بناء
وتشكيل وصياغة القرارات السياسية وخصوصا الخارجي منها , وحتى شكل العلاقة القومية مع بقية أفراد المجتمع الدولي , ويبرز دور هذه الثقافة بشكل واضح وخطير في ظل وجود محرك عالمي له مكانته الدولية المؤثرة على الآخرين , كما هو الحال مع الولايات المتحدة الاميركية.
وعليه فان استقراء الجانب الثقافي للسياسة الخارجية لأي حكومة او محرك سياسي ضروري للغاية , وذلك بهدف التعرف على المؤثرات الأيديولوجية والنفسية التاريخية التي تدخل في تشكيل وصياغة القرارات السياسية الخارجية لتلك الدولة , وخصوصا حين يكون لذلك القرار تأثير شامل يتجاوز الإطار الجغرافي لها , وهو ما دفع الكثير من الدول والحكومات في مختلف أرجاء العالم لبناء المؤسسات الأكاديمية والاستخباراتية التخصصية في تحليل الثقافات السياسية للدول والشعوب , لما لذلك من أهمية بالغة في معرفة شخصية تلك الدولة من جهة , وبناء وإدارة العلاقات الخارجية القومية بينها, وفهم هيكلية بناء القرار السياسي لسياساتها الخارجية من جهة أخرى , لدرجة أن يدعي بعض المفكرين الغربيين ( أن ليس هناك من حرب أهلية ، إقليمية أو دولية من دون ثقافة سياسية , ولو كانت مغلّفة بمصالح مادية , وان أي طرف يخوض الحرب من دون أن يكون مزودا بها فمن المرجح أن يخسر , لأن الدوافع عنده تصبح واهية وباهتة ولا تلبي طموحاته ، وان أبناء الثقافة السياسية الواحدة إذا شعروا بأنهم على حق وإيمان في ما يقومون به ، من دفاع عن قيم ثقافتهم خاصة إذا كانت عادلة وتوافرت لديهم الإمكانات المطلوبة فإنهم ينتصرون في نهاية الأمر) .
 لذا فإننا ومن خلال هذا الطرح سنحاول تسليط الضوء على أهمية هذا الجانب في بناء القرار السياسي الخارجي , ومدى تأثيره على بقية أفراد المجموعة الدولية من خلال نموذج الإمبراطورية الاميركية بشكل خاص , ولكن وقبل ذلك وجدنا من المفيد ضرب بعض الأمثلة التوضيحية العامة بشكل مختصر , على بعض النماذج الدولية المؤثرة الأخرى , والتي شكلت ثقافتها السياسية عامل مهم ورئيسي في بناء قراراتها الخارجية , وشكل علاقتها مع دول الجوار وبقية أعضاء المجتمع الدولي , كما هو الحال مع فرنسا التي ظلت الى فترة ما قبل انهيار برجي التجارة العالميين بالولايات المتحدة الاميركية في العام 2001 م , وهي محافظة على أهم تقاليدها التاريخية - ونقصد - كونية حقوق الإنسان في مستوياتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية , مما جعل العديد من دول العالم المستضعفة تنظر إليها كنصير لها في هذا الشأن , كذاك بريطانيا التي سيطرت على قراراتها السياسية الخارجية طيلة سنوات طويلة , ثقافة سياسية ذات نزعة محافظة ذرائعية, معتبرتا ذلك نوعا من التقاليد البريطانية الأصيلة , والتي لابد أن تتشكل على أساسها القرارات السياسية البريطانية الحديثة.
 كذلك ويتضح دور الثقافة السياسية في نموذج دولي آخر وهو الإمبراطورية الروسية , وذلك من خلال اعتبار الشعب الروسي نفسه مسئولا عن بقية الشعوب السلافية , بحيث يعتبر ذلك نوعا من الأعراف السياسية القديمة فـي روسيا ، ( والتـي بدأت حينما رأت روسيا نفسها أكبر وأقوى الشعوب السلافية وتوطدت دعائمها حينما انتقل مركز الكنيسة الأرثوذكسية الى موسكو بعد فتح المسلمين للقسطنطينية (اسطنبول) التي كانت مركزاً للأرثوذكسية ، وتعتبر غالبية الشعوب السلافية في شرق أوروبا من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية , حيث رأت روسيا أن مسئوليتها عن هذه الشعوب في شرق أوروبا تجلب لها منافع استعمارية في هذه الأقاليم ، فاشتهر شعار الأخ الأكبر وأعلنت روسيا نفسها حاميةً للعرق السلافي في شرق أوروبا وحاميةً للكنيسة الأرثوذكسية ، وبهذا حملت روسيا نفسها رسالةً مضمونها العرق والدين في أوروبا الشرقية ) , كذلك المستعمرة الإسرائيلية الكبرى , والتي تعتبر من النماذج الحديثة الأكثر تقليدية في بناء القرارات السياسية الخارجية , حيث يشكل المزيج الهجين من الثقافات السياسية القديمة والحديثة المحرك القوي لبناء قراراتها السياسية منها والعسكرية , كخرافة الشعب المختار والتطهير العرقي والصهيونية المعادية للفاشية وخرافة الملايين الستة او الهولوكوست وخرافة ارض بلا شعب لشعب بلا ارض وغيرها الكثير من التقاليد والعادات والأساطير والخرافات السياسية المؤسسة للسياسة الإسرائيلية , والتي أثرت ولا زالت على شكل العلاقة القومية وصناعة القرار السياسي الإسرائيلي الخارجي الى يومنا هذا.
وهكذا يتضح لنا أن للثقافة السياسية دور غاية في الخطورة ومهم للغاية في بناء وتشكيل وصناعة القرار السياسي , وخصوصا الخارجي منه , وتزداد خطورة تلك الثقافة السياسية بوجود محرك دولي يعكس تلك التقاليد الشخصية والأفكار على ارض الواقع من خلال علاقته وسطوته ودوره العالمي الجيواستراتيجي , كما هو الحال مع الولايات المتحدة الاميركية , والتي تعتبر اليوم المحرك الأكبر للقرارات السياسية الدولية , حيث تشكلت الشخصية الاميركية منذ العام 1620م وحتى يومنا هذا من عدد من الاستثناءات والتناقضات السياسية , والتي شكلت بدورها مزيج المبادئ والتقاليد السياسية بشقيها القديم والحديث , كالحرية " المسماة بالاستثنائية " و الأحادية " الانعزالية " , والنظام الاميركي او " مبدأ مونرو " , والتوسعية " المسماة بالمصير المبين , في عهدها القديم , كذلك حفل عهدها السياسي الحديث بعدد آخر من تلك التقاليد المحركة للسياسة الخارجية الاميركية كالامبريالية التقدمية , التي تداخل تاريخيا مع التوسعية الاميركية في العهد القديم , ليشكلان أهم واخطر امتدادات الثقافة السياسية الاميركية اليوم , وهي ما سنتناوله من خلال هذا الطرح , كونه لا زال مسيطرا على شخصية السيد الاميركي ودافعا له نحو الهيمنة والسيطرة على العالم , وسببا رئيسيا للوضع الدولي الراهن , والذي تعاني منه جل دول العالم بدون استثناء , ومبدأ ويلسون او " الليبرالية العالمية " و مبدأ الاحتواء , وأخيرا تقليد إصلاح العالم.
المهم في الأمر , أن ما يهمنا في تلك التقاليد الاميركية سالفة الذكر , والتي نعتبرها من أهم وابرز مبادئ الثقافة السياسية الاميركية , والتي تحرك صناعة القرار السياسي الاميركي الخارجي الحديث , مبدأ التوسعية او المصير المبين " 1781م – 1900 م " والذي كان بدوره ( مفهوما ضمنيا في عقيدة الولايات المتحدة الاميركية , وواضحا في سلوكها منذ تلك اللحظة في العام 1781 م , عندما طالب بنيامين فرانكلين بريطانيا باستعادة كل الأراضي التي تقع شرقي المسيسبي ) , والذي يدخل تاريخيا كما سبق واشرنا في عهدها الجديد مع المبدأ الذي ارسي قواعده الأولى الجمهوري ألبرت 0 جي 0 بيفريدج في العام 1898 م , حيث تثبت الإحصاءات أن الولايات المتحدة الاميركية أصبحت قوة عالمية في الجيل الذي تلا الحرب الأهلية " عهد الثقافة الصناعية الاميركية " او " الامبريالية الاميركية " , بالرغم من التقليد الأصيل للولايات المتحدة منذ زمن واشنطن كان الأحادية , التي التصقت بكل الرؤساء الذين تلوه حتى العام1917م0
 حيث يرى العديد من مؤرخون أن الإمبراطورية الاميركية الاستعمارية هي منتج عرضي للحرب الاسبانية الاميركية , او العكس تماما , او عمل تآمري لزمرة تستغل الحرب مع اسبانيا لتحيق " السياسة التوسعية " , ( فخلال القرن التاسع عشر فقد الإيمان مذاقه لدى التيار الرئيسي للأمريكيين , تحت الأمواج المتلاحقة لنقد الكتاب المقدس , الجيولوجيا والداروينية والألفية العلمانية للإنجيل الاجتماعي ) وفي هذا السياق كتب آرثر شلزنجر الابن ( بتحول المسيحية الى ليبرالية , والتخلص من مبادئها الرئيسية – مثل الخطيئة الأولى – تم الخلاص من عائق في طريق الاعتقاد بفضيلة الأمة وكمالها , وجعلت التجربة من المصير المبين " التوسعية "- بالإضافة الى الامبريالية التقدمية - المقدمة المنطقية لحياة الأمة ).
 ومن يومها وحكومات الولايات المتحدة الاميركية المتوالية , تصنع قراراتها السياسية الخارجية من خلال ثقافة سياسية إعلامية دعائية بالدرجة الأولى , تسعى للهيمنة الداخلية قبل الخارجية , وذلك بهدف السيطرة على عقلية الرأي العام الداخلي " الناخب الاميركي "– انظر كتاب : امة من الغنم للدكتور وليام  ج  ليدرر – والذي يتناول بشكل أساسي السياسة الخارجية الاميركية ودور الإعلام الاميركي في التعتيم وحجب الحقيقة عن الشعب , من خلال تسويغ صورة أميركيا الذاتية وقصتها القومية الأكثر تفضيلا , وبذلك شكلت الميثولوجيا الاميركية الدور الأكبر في عملية تحريك ذلك الشارع الأعمى , وقد لوحظ استغلال تلك اللغة السياسية كأسلوب إثارة وتهييج خلال القرن العشرون بشكل كبير , وذلك في إطار صناعة العديد من القرارات السياسية الحديثة , كمحاربة الإرهاب وغزو العراق وحاليا سياسة محاسبة الجمهورية العربية السورية واحتواء الجمهورية الإسلامية الإيرانية , على سبيل المثال لا الحصر, بحيث أننا نستطيع أن نؤكد بان اللعب على ذلك الوتر الحساس – أي- وتر الثقافة السياسية , صنع من الولايات المتحدة الاميركية بطلا رغما عنها لدى العديد من أبناءها , وهو نفسه الذي شكل هيكلية الهوية الاميركية وممارساتها القومية الحديثة.
 نعم إن أسطورة البطل الاميريكي رغما عنه , والتي صنعتها الثقافة السياسية الاميركية بشقيها القديم والحديث , لأكبر مثال حي على قدرة هذا الجانب الفلسفي التاريخي للسياسة , على صياغة وصناعة القرارات السياسية الخارجية لكثير من الدول والشعوب , فهي من جعل من السياسة الخارجية القومية الاميركية امتدادا لنظرة الأمريكيين الى أنفسهم , وهي نفسها التي قدمت الشخصية الاميركية كما لو كانت الإفراز الطبيعي لأسطورة الأمة , ومنها تسويغ الأسطورة كعملية تثقيفية لتبرير المساعي التوسعية والامبريالية لسياسات الولايات المتحدة الاميركية الخارجية اليوم.

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
صحفي مستقل – صحيفة الوطن بسلطنة عمان
مشرف عام – الواحة السياسية – بمنتديات المعهد
العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية بالأردن


Neuere Ältere