العلاقات الدبلوماسية في الإمبراطورية البيزنطية | المكتبة الدبلوماسية

العلاقات الدبلوماسية في الإمبراطورية البيزنطية


بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي أصبحت منقسمة إلى قسمين وهما الدولة الرومانية العربية وعاصمتها ميلانو والدولة الرومانية الشرقية التي تأسست في بيزنطة وأدت لقيام روما الجديدة (هي القسطنطينية) واستمرت هذه الدولة كقوة جبارة حتى عصر شارلمان وظهور الإسلام والدولة الإسلامية.
كانت الإمبراطورية البيزنطية أو دولة تنظم قسم حكومي مكلف بمعالجة القضايا الخارجية وتأهيل أشخاص في فن التفاوض. وقد تركت خلفها معاهدات طويلة متعلقة بالمسائل البروتوكولية والاحتفالية.
وقد استخدمت بيزنطة الدبلوماسية كأداة رئيسية لبقائها كدولة، من اجل البقاء أولا والقوة والهيمنة ثانياً. قام الأباطرة بتطوير أساليب الدبلوماسية عبر إدخالهم عليها طابع المكر وفن الدهاء، وقد وجد في الدبلوماسية البديل عن النقص في السلاح فاستغلوها لمواجهة أخطار الشعوب البربرية المتعطشة للدماء المحيطة بأقاليمهم والمتوثبة دائماً لغزو أراضيهم. فالتجئوا إلى إضعاف أعدائهم الحقيقيين والمحتملين بإثارة بعضهم ضد بعض والحيلولة دون وحدتهم " حيث ابتكرت ثلاث طرق رئيسية أولها إضعاف البرابرة بإثارة الخلاف فيما بينهم ، وثانيها شراء صداقة القبائل والشعوب المتخمة للدولة بالتملق والرشاوي، وثالثها نشر الديانة المسيحية بين اكبر عدد منهم .

وقد تميزت الدبلوماسية البيزنطية بالملامح العامة التالية:
أنها فردية ومترهلة، وأنها تأتي في المناسبات حيث ضرورة التوصل إلى معاهدة سلام، أو تحالف أو للتجارة، ولإعلان الحرب، وأنها نادراً ما تكون منظمة. وفي الوقت الحاضر، فان ما توصف بمثل هذه الدبلوماسية، بأنها مهمة مؤقتة، وتؤكد الوثائق التاريخية بان أول علاقات دبلوماسية دائمة تلك التي عقدت ما بين البابا والإمبراطورية البيزنطية. والبابوات، منذ القرن السابع بعثوا مبعوثيهم للإقامة لفترات طويلة في بيزنطه. وقد تم تطبيق هذه الظاهرة في القرن الرابع عشر من قبل فينيسيا تحت تأثير بيزنطه. وأنها المدينة الأولى التي احتفظت بأرشيف لهذه المهمة. كما أنها تبعث لهم بما يجري في المدينة من أحداث لتضعهم في صلب مهماتهم التي انتدبوا من اجلها ونقل الصورة التي يرونها بكل دقة لكي يمثلوا بلدانهم بجدارة. وقد كانت حياة السفراء جداً صعبة، حيث أنهم يرسلون بدون عوائلهم (ولكن مع طباخ من اجل الحيلولة دون تسممهم) وان مهنتهم يمكن أن تطول لأكثر من سنتين، ويتوجب على الدبلوماسي أن يحمل نفقاته الثقيلة، وخلال السفر المتعب الذي كثيراً ما يتعرض خلاله إلى السطو والمخاطر الأخرى من الأمراض.
وضع البيزنطيون كافة البعثات الدبلوماسية القادمة إليهم تحت المراقبة حيث كان حرس الشرف الذي يشارك في المراسم وهو من الشرطة يرصد حركاتهم ويتعرف على الأشخاص الذين يترددوا عليهم. ويرجع ذلك إلى أن بيزنطة كانت تنظر إلى الدبلوماسيين الأجانب على أنهم مجرد جواسيس لدولهم. وقد حرموا على مواطنيهم الاتصال بالسفراء الأجانب.
وقد ادخل البيزنطيون العامل النفسي في سلوكهم مع المبعوثين لديهم وذلك قصد التأثير على نفسية هؤلاء السفراء وإرهابهم عبر عرش يتحرك يعلو ويهبط وعبر استعراضات عسكرية ضخمة ومقنعة في نفس الوقت.
ويعتبر العهد البيزنطي في الدبلوماسية بداية عهد السفارة الدائمة حيث لازم السفير البيزنطي عمله في البلاط المعين لمدة من الزمن كانت أطول من المألوف. وكذلك يعتبر عهدهم بداية ظهور الدبلوماسي المحترف بعد أن كانت الوظيفة عرضية أو وراثية.
وقد ابتكر البيزنطيون ثلاثة أساليب دبلوماسية رئيسية بعيدا عن فض الخلافات بحد السيف وهي:
1- سياسة إضعاف الشعوب والقبائل البرابرة من خلال نشر التفرقة وإثارة التنافس بينهم وإيقاع الخصومات وذلك بهدف تقوية وحدتهم الداخلية.
2- شراء صداقة الشعوب والقبائل المجاورة بطريق الرشوة والهدايا أي التملق والمساعدات المالية.
3- إدخال اكبر عدد ممكن في الديانة المسيحية كما حصل مع العرب في جنوب الجزيرة العربية أيام دولة الحميديين اليهودية، حيث قامت أول سفارة مسيحية في العصر الحميدي في عدن سنة 365م وقد تم كل ذلك بمساعدة أبرهة نائب ملك الحبشة.

ويمكن تلخيص خصائص ومميزات الممارسة والأسلوب الدبلوماسي عند البيزنطيين بالنقاط التالية:
1- اعتمد البيزنطيون على فن المفاوضة وممارسة الدبلوماسية بأشكال وصيغ معينة. واعتمدوا أسلوب الدبلوماسي المراقب بدل الدبلوماسي الخطيب وهذا الأسلوب يستند إلى شخصية الدبلوماسي المحترف ذي الخبرة والراية.
ويقول نيكلسون أن البيزنطيين في تقاليدهم الدبلوماسية سبقوا غرب أوروبا بخمسة قرون على أساس المساواة في السيادة وقواعد حسن الجوار، وتبين أشكال العلاقات الدبلوماسية لتصبح وسيلة تحقيق التضامن بين الأسر الأوروبية. 
2- أنشأ البيزنطيون في القسطنطينية ديواناً خاصاً للشؤون الخارجية كما أسلفنا وقد قام هذا الديوان بتدريب المفاوضين المحترفين الذين يقومون بأعمال السفارة لدى الدول الأجنبية وأنشأ إلى جانب ذلك ديوان الأجانب أو حسب تعبيرهم (ديوان البرابرة) وهو يختص بمصالح المبعوثين الأجانب وشؤونهم وكان من تعليمات ديوان الشؤون الخارجية لسفراء بيزنطة أن يراعوا قواعد الذوق واللياقة في بعثاتهم، ومعاملاتهم مع الأجانب والمجاملة في أحاديثهم وان لا ينتقدوا البلد الموفدين إليه في شيء بل عليهم امتداحه قدر المستطاع.
3- أهداف السفارات البيزنطية هو أن تقوم بإعداد تقارير عن الأوضاع الداخلية في البلاد الموفد إليها فكانوا يسكنون في مبان خاصة ويكرمونهم ويراقبونهم ويحيطونهم بحرس الشرف.
4- الاهتمام الزائد بالمراسم وإجراءات الضيافة وحسن الضيافة والاستقبال كما في روما ومن هذه المراسم احتفاظ البيزنطيين لسفراء العرب بمكان الصدارة بين جميع الدبلوماسيين الموفدين إليها، وهو احترام بيزنطة الكبير لسفارات بغداد والقاهرة وقرطبة وتفضل سفراء عرب المشرق قبل عرب المغرب حتى اعتبر أن لعرب المشرق وخاصة بغداد الأفضلية على سفراء قرطبة.


أحدث أقدم