أهم القضايا التي أثارتها التداعيات الإقليمية للأزمة المصرية | المكتبة الدبلوماسية

أهم القضايا التي أثارتها التداعيات الإقليمية للأزمة المصرية

      تسترعى التطورات التي شهدتها مصر في 30 يونيو انتباه العالم، الذي ينظر إلى السياسة المصرية - أكبر الدول العربية سكانًا - مؤشرًا يحدد الاتجاهات العامة في إقليم الشرق الأوسط. وقد فرضت الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين، في 3 يوليو تساؤلات حول النموذج الذي يطرحه مشروع الإخوان في الحكم، خاصة أن مصر هي الدولة الأم لتنظيم جماعة الإخوان الذي أنشأه حسن البنا عام 1928.وفي هذا الإطار، يقف هذا التحليل على قراءة تداعيات الأحداث في مصر على توازنات القوى الإقليمية، وتناول أهم القضايا التي أثارتها تلك التطورات، وامتدت إلى الإقليم.


تأثيرات 30 يونيو على التحالفات الإقليمية:
      تجدر الإشارة إلى أن توازنات القوى في الإقليم قبل ثورة 25 يناير كانت تدور بشكل رئيسي حول نمطين من التحالفات التي تبلورت حول موقف تلك الدول من كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل. فالنمط الأول الذي كان يدعم خيار التسوية السلمية سُمي بمحور الاعتدال، وضم مصر، والأردن، ودول مجلس التعاون الخليجي باستثناء قطر، فضلًا عن تركيا. بينما تبلور النمط الثاني حول خيار المقاومة، وسُمي بمحور الممانعة وضم إيران، وسوريا، وقطر إلى حد ما، فضلًا عن حركات المقاومة مثل حماس وحزب الله.
      ويُمكن القول إن 25 يناير 2011 شكل مرتكزًا رئيسيًا في إعادة توجيه خرائط تلك التحالفات على نحو أثبت أنه لا يمكن تجاهل ما يجري في مصر. فمع وصول مرشح جماعة الإخوان إلى سُدة الحكم في مصر، بدأ الإقليم يشهد ملامح لإعادة تشكل محاور التحالفات التي عكست مفهوما جديدا لتوازنات القوى نتيجة العامل السوري الذي أبرز الصراع المذهبي بين السنة والشيعة. فبدأ الإقليم يشهد ثلاثة محاور، أولها محور سني يمثل حركة الإخوان المسلمين بامتداداتها التي تشمل تركيا، وحماس - التي سارعت بالخروج من عباءة إيران- فضلًا عن قطر التي رأت أن دعمها لجماعة الإخوان وسيلة لممارسة نفوذها في الشرق الأوسط.
      كذلك أثر خروج حماس من محور الممانعة إلى صياغة محور شيعي يضم إيران وسوريا، وحزب الله. بينما ظل محور الاعتدال بعد خروج مصر، والذي ضم دولا - سنية أيضًا - المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، والسلطة الفلسطينية، ممثلة بمحمود عباس.
      ويُلاحظ أن تركيبة هذه التوازنات في جملتها كانت تتسم بالمرونة إلى حد كبير- وهو أيضًا ما كان قبل ثورة 25 يناير 2011 -  بمعنى أنها لم تتبع سياسات موحدة تجاه كافة القضايا، الأمر الذي ارتبط برؤيتها لمصالحها تجاه هذه القضايا. فعلى سبيل المثال، كانت السعودية وقطر متحدتين بدرجة كبيرة في دعم المعارضة المسلحة في سوريا وليبيا، لكنهما اختلفتا بشدة نحو الجماعات الإسلامية المدعومة من قبلهما.
      ولا شك فى أن التطورات الراهنة التي تشهدها مصر في إطار تداعيات ثورة 30 يونيو تعكس وجود تحولات في طبيعة توازنات تلك القوى، فقد تمت الإطاحة بمرشح جماعة الإخوان عن سُدة الحكم، وخرجت مصر من المحور السني الإخواني. ويُلاحظ أن ذلك يفسر مواقف وجهود تركيا وقطر لاستعادة مصر إلى المحور السني الإخواني. في الوقت ذاته، نجد أن السلطات المصرية باتت تعلن عن وجود فلسطينيين يساعدون القوى الإسلامية الجهادية الذين ينشطون في سيناء، وهو ما يشير ضمنيًا إلى تورط حماس في هذه العمليات، والتي تبدو محاولة لدعم استعادة نفوذ محور الإخوان. من ناحية أخرى، هناك مؤشرات حول استعادة قوى محور الاعتدال كما كانت قبل ثورة 25 يناير، وهو ما تقوده السعودية التي تظهر كقوة دفع لعودة مصر إلى اصطفاف هذه الدول.
      على الجانب الآخر، يشير البعض إلى وجود اتجاهات لدى حماس لإحياء تحالفاتها القديمة مع إيران، واستعادة التمويل من قبل الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، وهو ما يعني نزع البعد الطائفي عن محور تحالفات إيران، إذا تحقق، وهو الأمر المشروط بنجاح أو فشل عودة المحور الإخواني من جهة وقواعد المعادلة السياسية التي ستسمح من خلالها إيران بعودة حماس إلى اصطفافها.

أهم القضايا التي أثارتها التداعيات الإقليمية للأزمة المصرية:
1-  إشكالية مستقبل حكم الإخوان: طرح عزل الرئيس السابق محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان، في معقل الإخوان الرئيسي في مصر تساؤلات بخصوص قدرتهم على الحكم في دول أخرى مثل تونس وسوريا، الأمر الذي يُفسر موقف رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، الذي تنتمي حكومته لحزب العدالة والتنمية، أحد أوجه تنظيم الإخوان في العالم، حيث سارع البرلمان التركي الذي يسيطر عليه حزب أردوغان في إقرار تعديلات على تشريعات تحدد وظيفة الجيش، وتحول دون تدخله كطرف في السياسة الداخلية التركية.

2-  الرهان على الخارج: هناك إدراك لدى القوى الإقليمية للدور الذي تلعبه الصورة الدولية في ردود فعل المواقف الدولية. ويُلاحظ تنافس التحركات الدبلوماسية بين قطر والسعودية في أوروبا لحشد سياسات الغرب لتأييد مصالحها. فقد قام وزير الخارجية القطري بجولة مكوكية إلى ألمانيا وفرنسا، وذلك قبيل اجتماع طارئ لدبلومسيي الاتحاد الأوروبي في 19 أغسطس في محاولة لزيادة الضغوط على السلطات المصرية. على الجانب الآخر، استغل الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، زيارته لفرنسا التي أعقبت زيارة وزير الخارجية القطري، ليحذر الغرب من زيادة الضغوط على مصر "ليس بالتهديد يمكننا أن نحقق شيئًا".

من ناحية أخرى، هاجم أردوغان الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة لعدم إدانتهم بقوة ما يحدث في مصر. بل ودعا، عقب فض اعتصامى رابعة والنهضة، إلى تدخل مجلس الأمن الدولي. وبالفعل، دعت فرنسا، وبريطانيا، واستراليا، أعضاء مجلس الأمن، لاجتماع غير رسمي لبحث الوضع في مصر، والذي حث جميع الأطراف على إنهاء العنف والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس.
أيضًا، يُلاحظ أنه على الرغم من نمط الدبلومسية الهادئة لكل من السعودية والإمارات، الذي لا يبدي تعليقات تخص الشئون الداخلية لدول أخرى، فإنهما أسرعتا بتوجيه رسائل التهنئة للرئيس المؤقت، فضلًا عن الرسالة التليفزيونية للعاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبد العزيز، في 16 أغسطس إلى الدول التي تمارس ضغوطا على مصر.

3- العنف والحرب على الإرهاب: يُلاحظ أن من أهم مخاوف المجتمع الدولي أن تصب التوترات في مصر في مصلحة الجماعات المتشددة، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس في 16 أغسطس. ويُلاحظ هنا أن الغطاء السياسي الذي استخدمته دول محور الاعتدال في دعمها للسلطات المصرية الحالية ضد ممارسات جماعة الإخوان تمحورت حول حرب مصر على الإرهاب، وهو ما انعكس في الرسالة التليفزيونية للعاهل السعودي، والتي أعلن فيها أن المملكة تقف مع مصر "ضد الإرهاب والضلال والفتنة"، واصفًا الأعمال التي يقوم بها الإخوان بأنها "إرهاب وفتنة".

كذلك، اتخذت الإمارات العربية المتحدة موقفاً مماثلاً للسعودية. وجدير بالذكر أن دولة الإمارات حاكمت هذا العام أشخاصا من الإخوان بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم. وقد كتب وزير الدولة الإماراتي للشئون الخارجية، أنور قرقاش، في 9 يوليو مقالًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية، ينتقد فيه الإسلام السياسي وعلاقته بالتطرف، ويرى أن 30 يونيو نقطة فاصلة لاستعادة المعتدلين زمام المبادرة، ومنع المتطرفين من الاستفادة من مزايا الربيع العربي. ويُشار إلى أن المحكمة العليا في روسيا حظرت عام 2003 جماعة الإخوان المسلمين، ووصفتها بأنها منظمة إرهابية.

4- الرأي العام والشارع السياسي: فقد أثبتت ثورة 25 يناير بما لا يدع مجالا للشك عدم إمكانية تجاوز دور الشارع السياسي في التطورات السياسية في الإقليم. ويُلاحظ أن كافة القوى الإقليمية تسعى إلى كسب تأييد الشارع السياسى، والذي يمثل قوى ضغط مؤثرة في رسم سياسات الدول. فإذا ما نظرنا إلى تركيا التي تناهض بشدة التطورات في مصر، فسنجد أن أردوغان خاطب شعوب دول الخليج العربي التي قدمت حكوماتها الدعم لمصر، وحاول تأليبها على حكامها، وهو ما يعكسه تصريحه في 21 أغسطس من أن "بعض الدول العربية تغدق الدعم لأنظمة ديكتاتورية. وهناك العديد من الدول الإسلامية تحتاج إلى الزكاة بسبب ظروفها الاقتصادية الصعبة"، وهو ما يفسر إلى حد كبير حملات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي ضد بيانات حكومات تلك الدول.

أيضاً، سعى أردوغان إلى تحويل الإخوان إلى رمز للعالم الإسلامي، فقد استخدم أردوغان تحية الأصابع  الأربع، في إشارة إلى رابعة العدوية، خلال كلمة ألقاها في 17 أغسطس، وتساءل عما إذا كانت هذه الإشارة "ستعبر عن النصر في العالم الإسلامي، بدلاً من إشارة الإصبعين"، الأمر الذي يُفسر انتشار رمز رابعة على صفحات التواصل الاجتماعي ذات الصلة. كذلك، سعت تركيا إلى استخدام قطاع السياحة لديها في إجراء احتفاليات تستخدم إشارات رابعة، تبلور رأيا عاما لدى السياح الوافدين إليها.على الجانب الآخر، أسهمت الكلمة التي ألقاها العاهل السعودي في كسب السعودية تأييدا لقطاع كبير من الرأي العام المناهض لجماعة الإخوان في مصر وخارجها.

5- تسويق الصورة الدولية : كشفت الأزمة في مصر بشكل حاد عن أهمية سياسات تسويق الصورة الدوليةThe Politics of Global Images  في توجيه التحالفات السياسية، وهو ما لعبت فيه وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية الحقوقية، التي عملت كجماعات مصالح وجماعات ضغط، دورًا بارزًا. فعلى سبيل المثال، ركزت التغطية الإعلامية لقناة الجزيرة على تسويق صورة مؤيدة لجماعة الإخوان، واستخدمت التقنيات الفنية في صياغة المشهد السياسي المدعم لتوجهاتها. أيضًا، استخدمت وكالة الأناضول فيديوهات لفناني تركيا المشهورين في العالم العربي لدعم رؤية تركيا ضد التطورات في مصر. على الجانب الآخر، أعلن عدد من المحطات التليفزيونية المصرية وقف عرض المسلسلات التركية، احتجاجًا على الموقف التركي، في محاولة لخلق ضغوط على ذلك القطاع للضغط على حكومة أردوغان من أجل مراجعة سياسة حكومته.
كذلك، أغلقت حماس في 25 يوليو ثلاث شركات إعلامية، من بينها قناة تليفزيون العربية المملوكة للسعودية، ووكالة معًا الفلسطينية بعد انتقاداتها لتغطية العلاقات المتوترة بين الحركة ومصر.
يُمكن القول إن هناك إدراكا لدى القوى الإقليمية المختلفة للدور المصري المرتقب، الذي سيتمخض عن هذا التغيير في تشكيل حالة الاتجاهات العامة في الإقليم، والتي أضحت الأزمة السورية تشكل طرفًا محددًا في معادلتها السياسية، خاصة أن ملامح تشكيل خريطة نفوذ جديدة في إقليم الشرق الأوسط  قد بدت مؤشراتها في انتخابات الائتلاف الوطني السوري في 6 يوليو، حيث تم انتخاب أحمد الجربا، المدعوم من السعودية، والذي فاز على مصطفى الصباغ، المدعوم من قطر، في إشارة إلى تراجع نفوذها أمام السعودية.

رضوى عمار: باحثة دكتورة في العلاقات الدولية والتنظيم الدولي، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهر.


أحدث أقدم