مراحل التطور السياسي في اليمن من وفاق 1970 حتى الميثاق الوطني 1982 | المكتبة الدبلوماسية

مراحل التطور السياسي في اليمن من وفاق 1970 حتى الميثاق الوطني 1982

نستطيع القول بأن الدراسة قد عالجت فترة تعد من أهم فترات التاريخ الحديث والمعاصر في اليمن، فإذا ما نظرنا إلى واقع الحياة السياسية في اليمن قبل عام 1970م، نجدها تنقسم إلى مرحلتين مهمتين
تمثل المرحلة الأولى منها فترة ما قبل الثورة اليمنية 26 سبتمبر 1962م: وهي فترة عاشت فيها اليمن أسوأ مراحل تاريخها الحديث انعدمت فيها أدنى مقومات الحياة العصرية ناهيك عن الحكم الفردي المتسلط فكانت المحاولات الأولى لإصلاح نظام الحكم قد تمثلت بثورة 1948م الدستورية، ثم تمخض عنها انقسام داخل
الأسرة الحاكمة نفسها نتيجة للتسابق على ولاية العرش، نتج عنه انقلاب عام 1955م من داخل الأسرة الحاكمة. 
ورغم عدم نجاح المحاولتين إلا أنهما قد هيئا البيئة لميلاد تنظيم جديد من داخل المؤسسة العسكرية عرف بتنظيم الضباط الأحرار، وهذا التنظيم لم ينشد الإصلاح السياسي مثل سابقيه وإنما سعى لتغيير النظام برمته مستفيدًا من مناخ المد القومي التحرري في الوطن العربي بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر الأمر الذي استطاع معه تنظيم الضباط الأحرار ومعهم جميع القوى والتيارات الوطنية على الساحة من تفجير الثورة في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م.
 ودخلت اليمن مرحلة جديدة من التطور السياسي عقب ثورة 26 سبتمبر 1962م: وهي مرحلة تجاذبتها العديد من القوى المحلية والإقليمية والدولية نتيجة لما جاءت به الثورة من أهداف وأفكار فسرها البعض بالامتداد وراء حدودها الإقليمية وسرعان ما تحولت اليمن إلى ميدان حرب وساحة معركة بين أنصار الجمهورية وتساندهم الجمهورية العربية المتحدة ومعها الاتحاد السوفييتي وبين القوى الملكية وتساندها المملكة العربية السعودية والأردن وإيران ودول الكتلة الغربية طوال خمس سنوات كاملة عاشت فيها اليمن في فوضى عارمة دمرت كل مقدرات البلاد.
وفي نهاية عام 1967م وضعت الحرب الإقليمية في اليمن أوزارها باتفاقية عرفت باتفاقية الخرطوم أغسطس 1967م بين كل من الجمهورية العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية التي انسحبت بموجبها القوات المصرية من اليمن فيما حاولت القوى الملكية إسقاط النظام الجمهوري على خلفية هذا الظرف الجديد إلا أن القوات الجمهورية تغلبت واستطاعت حماية النظام الجمهوري وهو ما عرف بحصار السبعين أواخر عام 1967م، وبداية عام 1968م.
وقد ساعدت عدد من العوامل الداخلية والخارجية في إنهاء مسلسل الصراع، فعلى المستوى المحلي كان انقلاب 5 نوفمبر 1967م الذي أطاح بالرئيس عبد الله السلال ومناصريه من ذوي التوجه القومي المتشدد وصعود الجناح المعتدل الذي اتخذ من سياسة الباب المفتوح وسيلة لتكوين علاقات اليمن الدولية بين الشرق والغرب وعمد إلى التقارب مع القوى الملكية الراغبة في الانضواء تحت مظلة النظام الجمهوري، ناهيك عن العوامل الإقليمية والدولية المتمثلة برحيل بريطانيا من جنوب اليمن في الثلاثين من نوفمبر 1967م واستيلاء التيار الماركسي في الجبهة القومية الحاكمة على السلطة في عدن خلال عام 1969م هذه التطورات جعلت الجانب السعودي يعيد من حساباته خوفًا من انتشار الأفكار الماركسية إلى حدوده الإقليمية وعجل من مسألة إنهاء الحرب بالضغط على الملكيين للتصالح مع القوى الجمهورية في إطار النظام الجمهوري وقبلت القوى الملكية الصلح مع النظام الجمهوري بصنعاء خلال شهر مارس 1970م باتفاق غير مكتوب عرف بالوفاق الوطني.
وقد أنهى الوفاق الوطني حقبة من الحياة السياسية اليمنية استمرت لمدة ثماني سنوات اتسمت بالصراع السياسي والعسكري وتشكلت على إثرها حكومة وحدة وطنية من جميع الأطراف لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل التطور السياسي في اليمن في ظل نظام جمهوري حاصل على كامل السيادة الوطنية والشرعية الدولية، ونستطيع القول بأن أهم ما تميزت به المرحلة الجديدة التي امتدت بين عامي 1970ـ1974م هي انتهاء الحرب الأهلية، واندماج القوى الملكية في إطار النظام الجمهوري في حكومة وطنية واحدة، وصياغة دستور دائم للبلاد، وانتخاب مجلس شورى، والانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني القائم على الديموقراطية، وإقامت علاقات طبيعية مع معظم دول العالم بانتهاج سياسة الحياد وعدم الانحياز، كما شهدت اليمن خلال هذه الفترة المواجهة العسكرية مع حكومة الجبهة القومية في عدن، وانتهت بتوقيع اتفاقية الوحدة اليمنية في 1972م وعرفت باتفاقية القاهرة، وبيان طرابلس من نفس العام، كما تميزت المرحلة بالتنافس بين أعضاء التحالف الحاكم في صنعاء على مراكز النفوذ والسلطة في البلاد.
وقد باشرت حكومة الوفاق الوطني العمل على تأسيس نظام قائم على الديمقراطية كانت قد باشرته منذ عام 1969م بتأسيس المجلس الوطني الذي أنيط به القيام بالإعداد والتحضير للانتخابات الشورية وإعداد مشروع الدستور الدائم للبلاد، ومارس المجلس العديد من الصلاحيات الدستورية والتشريعية، منها انتخاب المجلس الجمهوري، كما أصدر المجلس العديد من القوانين والتشريعات وراقب أداء الحكومة. كما أولت الحكومة عملية التنمية في البلاد البنود الأولى في أجندتها وبناء هياكل الدولة، كما أسست شبكة من العلاقات الدولية القائمة على تبادل المصالح والمنافع المتبادلة، فيما أعلنت في 28/12/1970م العمل بالدستور الدائم للبلاد وتشكيل لجنة عليا للانتخابات بموجب القرار الجمهوري رقم (1) لسنة 1971م خلال شهر فبراير من نفس العام وعاشت اليمن أول تجربة ديموقراطية تمثلت بانتخاب مجلس الشورى خلال شهر مارس 1971م.
شهدت تلك الانتخابات تنافسًا كبيرًا بين أنصار التكتل الحاكم المتمثل في رئيس الحكومة من جانب ورئيس المجلس الوطني من جانب آخر، ناهيك عن تخوف رئيس المجلس الجمهوري من رئيس الحكومة وهذا تمخض عنه إزاحة رئيس الحكومة قبل الانتخابات الشورية الأمر الذي حقق تقدمًا كبيرًا لأنصار رئيس المجلس الوطني والمجلس الجمهوري من المشايخ وكبار الضباط ورموز العلماء على حساب الشباب والمثقفين وصغار الضباط من ذوي التوجه الليبرالي والقومي معًا، وهي أغلبية معظمها لا تحمل مؤهلات علمية الأمر الذي أثر على قدرتها في بلورة قيم سياسية واقتصادية جديدة تتماشى مع المتغيرات داخل الساحة، واقتصر دورها على تأجيج الصراع مع الحكومات المتعاقبة وأصبح النفوذ القبلي للمشايخ هو الأقوى على امتداد الساحة اليمنية، فتشكل تحالف بين رئيس المجلس الجمهوري ورئيس مجلس الشورى استطاعوا من خلاله إزاحة كل العناصر المنافسة داخل التكتل الحاكم نفسه حيث استطاع القاضي عبدالرحمن الأرياني رئيس المجلس الجمهوري أن يتخلص من صاحب النفوذ الأقوى في المؤسسة العسكرية الفريق حسن العمري رئيس الوزراء القائد العام للجيش عضو المجلس الجمهوري في الأول من سبتمبر 1971م، الأمر الذي أتاح معه الفرصة لقوى جديدة داخل المؤسسة العسكرية من جيل الشباب للإعلان عن أنفسهم في شهر مارس 1971م، من خلال وثيقة أسميت وجهة نظر القيادة حول الوضع الراهن والآفاق المستقبلية واشتهرت فيما بعد بقرارات التصحيح برئاسة المقدم إبراهيم الحمدي.
وبعد إقصاء الفريق العمري استدعي رجل الوفاق والمصالحة محسن العيني من جديد لتشكيل حكومة جديدة مارس خلالها نفوذا كبيرة داخل الساحة السياسية، وفي هذه الأثناء كانت العلاقة مع نظام الجبهة القومية في عدن تزداد تدهورًا بصورة كبيرة، وكان الاختلاف الفكري والأيديولوجي بين صنعاء وعدن هو العامل الرئيسي في توتر العلاقات ناهيك عن تأجج النزاع من قبل دول الجوار الإقليمي، بالإضافة إلى نزوح عشرات الآلاف من أبناء الجنوب إلى الأراضي الشمالية الأمر الذي أدى إلى تفاقم الوضع وتصاعد الحرب الإعلامية بين الطرفين.
ووصفت وسائل الإعلام في عدن الحكام في صنعاء بالرجعيين المرتزقة، بينما تحدثت وسائل الإعلام بصنعاء عمن أسمتهم بالشيوعيين الملحدين المخربين في عدن، وتصاعدت الحشود العسكرية على الحدود بين الطرفين وأسفرت عن مواجهة مسلحة في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر 1972م واحتلت قوات الجبهة القومية مدينة قعطبة الحدودية وامتد القتال على طول المحافظات المتاخمة وإزاء هذا الصراع بذلت كل من مصر وسوريا والجزائر والكويت وليبيا جهوداً كبيرة لاحتواء الأزمة بين الطرفين وتدخلت جامعة الدول العربية ممثلة في مجلس الجامعة وشكلت لجنة وساطة عربية من الدول المذكورة برئاسة الأمين العام للجامعة.
ونجحت الجهود العربية في احتواء الصراع وأصدرت قراراً بوقف الحرب ابتداءً من 4/10/1972م ودخلت حكومتي صنعاء وعدن في مفاوضات نتج عنها توصل الطرفين إلى اتفاقية في 28/10/1972م عرفت باتفاقية القاهرة نصت على إعادة توحيد شطري اليمن في دولة واحدة تسمى "الجمهورية اليمنية" وعاصمتها صنعاء.
لقيت هذه الاتفاقية العديد من ردود الفعل المعارضة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي كادت أن تطيح بها وتعود بالوضع إلى حالة الحرب بين الطرفين، لكن هذه الاتفاقية عُززت بتوقيع ما عرف ببيان "طرابلس" بين رئيسي صنعاء وعدن، وعلى ضوء هذا البيان تشكلت العديد من اللجان الوحدوية من الطرفين لتفعيم بنود الاتفاقية إلا أن أعمال هذه اللجان سرعان ما أجهضت وتوقفت أعمالها بين حين وآخر بسبب توتر الوضع بين الطرفين، الأمر الذي نستطيع القول معه إن عملية الوحدة قد مثلت هروباً واضحاً من الطرفين من حالة الحرب وأن الاتفاق الوحدوي كان لم ينضج بعد ولم تهيئ له الظروف الموضوعية لإعلان الوحدة بين الطرفين.
وعلى صعيد علاقات اليمن الإقليمية والدولية وتوجهاتها خلال هذه الفترة نجد أن صانع القرار بصنعاء حاول أن ينأى باليمن بعيداً عن سيطرة كل من موسكو وواشنطن، وتجنب الدخول في الصراعات الدولية وحرص على إقامة علاقات جيدة مع واشنطن ودول الكتلة الغربية فيما احتفظ بموروث العلاقة المتميزة مع موسكو ودول الكتلة الشرقية والمنظومة الاشتراكية عمومًا، ورغم ذلك فإن هذه السياسة لم تخلو من التأثر بالمؤثرات الإقليمية وبالذات مع الجانب السعودي الذي كان دائمًا ما يدفع إلى المواجهة بين صنعاء وعدن من خلال تكتل المشايخ داخل السحة اليمنية كوسيلة لممارسة الضغوط على القيادة السياسية بصنعاء للسير وفقًا للتوجه السعودي.
وفي هذه الفترة تلقت اليمن العديد من المساعدات من الدول العربية والأجنبية وبالذات دول الكتلة الغربية، حيث عادت علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية خلال شهر يوليو 1972م وأصبحت اليمن محورًا مهماً من محاور علاقات الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبرغم تقديم العديد من المعونات الأمريكية لليمن إلا أنها لم تشمل التعاون العسكري بين الطرفين فيما كانت العلاقة مع الاتحاد السوفييتي في تراجع مستمر رغم حرص صنعاء على توطيدها نظرًا لاحتياجها المستمر للمساعدات الدولية وفقًا لسياسة "الباب المفتوح"، وربما كان العائق الكبير أمام تقدم العلاقات اليمنية السوفييتية هو النظام الماركسي في عدن ومع هذا ظلت العلاقة الثقافية والاقتصادية بين صنعاء وموسكو تنافس العلاقة بين صنعاء وواشنطن في نفس المجال.
وعلى جانب آخر شهدت هذه الفترة على المستوى الداخلي تنافسًا محمومًا سار بخطى متصاعدة بين أعضاء التكتل الحاكم حيث أسفرت قضية اتفاقية الوحدة بين صنعاء وعدن عن تنافس كبير وخلافات شديدة بين رئيس الحكومة «محسن العيني» وبين رئيس مجلس الشورى «الشيخ/ عبد الله الأحمر» لعبت المؤثرات الإقليمية دورًا في هذا التنافس وانتهى الأمر بتقديم استقالة رئيس الحكومة في 30ديسمبر 1972م، فيما حل القاضي عبد الله الحجري الذي كان على وفاق مع رئيس مجلس الشورى ودول الجوار الإقليمي في رئاسة الحكومة مما آثار تنافسًا بين رئيس الحكومة ورئيس المجلس الجمهوري سرعان ما ظهر هذا الخلاف على السطح وانقسم التحالف الحاكم إلى جناحين الأول شمل رئيس الحكومة ورئيس مجلس الشورى وعدداً من كبار أعضاء التحالف الحاكم «الجناح المحافظ»، فيما تكون الجناح الثاني برئاسة رئيس المجلس الجمهوري وعدد من أعضاء التحالف الحاكم «الجناح المعتدل والتقدمي»، واستطاع رئيس المجلس الجمهوري أن يقيل رئيس الحكومة خلال شهر فبراير 1974م.
وانتقل الصراع بين رئيس المجلس الجمهوري وبين رئيس مجلس الشورى زعيم الجناح المحافظ الأمر الذي أفقد المجلس الجمهوري القدرة على الإمساك بزمام الأمور في البلاد وانتهى معه الأمر إلى القيام بحركة عسكرية في الثالث عشر من يونيو 1974م أسقطت المؤسسات الدستورية والتشريعية في البلاد وعادت إلى نظام الحكم العسكري، وكانت حركة 13يونيو العسكرية حركة تحالفية بين عدة قوى على الساحة أبرزها تكتل المشايخ برئاسة الشيخ/ عبد الله الأحمر وتكتل العسكريين وبعض المدنيين من أعضاء حزب البعث بقيادة بيت أبو لحوم ومحسن العيني ومجاهد أبو شوارب مع تكتل قائد الحركة المقدم إبراهيم الحمدي نائب القائد العام.
وأهم ما تميزت به فترة الحكم العسكري «يونيو 1974م - أكتوبر 1977م»، ظهور ما عرف بالهيئات التعاونية لدعم عملية التنمية في البلاد، وتشكيل لجان التصحيح المالي والإداري، وإزاحة المشايخ من الساحة السياسية، وتكوين علاقات متوازنة مع حكومة الجبهة القومية في عدن، فيما تراجعت العلاقات اليمنية السوفيتية إلى حدودها الدنيا وانقطع التعاون العسكري بين البلدين، بينما تحسنت بوتيرة بشكل سريع العلاقات اليمنية ـ الأمريكية وانتقلت من المستوى الاقتصادي والثقافي إلى المستوى العسكري والأمني.
فعلى المستوى المحلي كانت أول مهام قيادة حركة 13يونيو هو تشكيل مجلس القيادة وإعلان حالة الطوارئ في البلاد وتجميد مجلس الشورى وتعليق العمل بالدستور وانتقال السلطة التنفيذية والتشريعية إلى مجلس القيادة وصدر إعلان دستوري خُول بموجبه رئيس مجلس القيادة المقدم «إبراهيم الحمدي» بتحديد سياسة الدولة وإعمال السيادة، وإعلان حالة الحرب والسلم في البلاد.
ولم يستمر التحالف طويلاً بين أعضاء مجلس القيادة حيث عمد الرئيس الحمدي إلى إقالة «محسن العيني» رئيس الحكومة في 16/1/1975م وبدأ الرئيس الحمدي يسعى لإيجاد قوى جديدة على الساحة بديلة للقوى الموجودة، فتحالف مع تيار جماعة الإخوان المسلمين في بادئ الأمر إلا أنه لم يستطع توظيفها لصالحه فيما استطاع أن يوجد العديد من البدائل التي أوجدت قوى مناوئة وموازية للثقل القبلي الموجود على الساحة من خلال مشروع "هيئات التعاون الأهلي للتطوير" التي ساعدت على خلق نوع من التنمية من جانب وكبح نفوذ المشايخ من جانب آخر.
ومع نهاية عام 1975م كان الرئيس الحمدي قد تخلص ممن أسماهم بمراكز القوى في القوات المسلحة وأزاح تكتل المشايخ وأعلن عن انتهاء فترة مجلس الشورى صاحب النفوذ القبلي الكبير، الأمر الذي اظهر مدى الخلاف بينه وبين حليفه الاستراتيجي الشيخ/ عبد الله الأحمر رئيس مجلس الشورى، وكخطوات استباقية نفذها الحمدي لهذا الإجراء أعلن عن تشكيل اللجنة العليا للتصحيح المالي والإداري التي كان من مهامها مراقبة المؤسسات المدنية والعسكرية ومحاسبتها محاسبة شعبية بمشاركة شعبية في مختلف الوحدات الإدارية في البلاد بلغت فروع هذه اللجنة 134 فرعًا، كما عمل الرئيس الحمدي على تمكين التيار الناصري من أهم المواقع السياسية والعسكرية في البلاد على حساب بقية القوى السياسية في الساحة، فيما أقام علاقات تحالف مع الجانب السعودي استطاع معها الاستفادة والحصول على الدعم الاقتصادي والسياسي على حساب حلفائها من المشايخ وربما كانت المنطلقات الجديدة للسياسة السعودية تدفع إلى إيجاد نظام مستقر في صنعاء لمواجهة المد الشيوعي القادم من عدن والنفوذ السوفييتي المتزايد فيها.
كما شكل التدخل العسكري الإيراني في إقليم ظفار بسلطنة عُمان دافعًا فيما بعد لتقارب الرياض مع عدن لتشكيل تحالف بين صنعاء والرياض وعدن للضغط على عمان للاستغناء عن القوات الإيرانية التي قد تهدد المنطقة بأسرها، هذه الظروف هيأة المناخ لمزيد من الاستقرار في اليمن ومواصلة مسيرة الإصلاحات الاقتصادية من خلال وضع خطة خمسية لتحسين البيئة الاستثمارية والاقتصادية في البلاد، فيما جمدت صنعاء علاقتها العسكرية بموسكو خلال شهر أغسطس 1975م وكانت العلاقات بالرياض هي المحدد الرئيسي للعلاقة بين صنعاء وواشنطن والتي التزمت معها الرياض بإعادة تأهيل الجيش اليمني وتسليحه بالسلاح الغربي.
ونتيجة للظروف الجديدة فقد حاولت صنعاء أن تخرج من دائرة النفوذ السعودي المتزايد، فعزز الرئيس الحمدي من علاقته بالرئيس سالم ربيع علي في عدن وعمل على تكوين شبكة من العلاقات الدولية في مقدمتها تحسين العلاقة مع الصين وفرنسا وغيرها من الدول العربية والأجنبية، وسعى إلى إعادة تحقيق وحدة الشطرين من خلال إعادة نشاط لجان الوحدة فكان لقاء القمة مع الرئيس «سالم ربيع علي» نشطت على أثرها لجان الوحدة، ناهيك عن البحث عن دور إقليمي جديد يرتبط إلى مدى أهمية الممرات المائية في البحر الأحمر كون اليمن تقع على أهم الممرات المائية لناقلات نفط الخليج مما أدى إلى عقد مؤتمر للدول المطلة على البحر الأحمر لبحث قضية منظومة أمن هذا البحر، الأمر الذي خرج معه عن الدور المرغوب له في المنطقة من قبل القوى الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة، الأمر الذي كان عاملاً مهماً من العوامل التي ساهمت في التخلص من شخص الرئيس الحمدي قبل مغادرته لزيارة خاصة لمدينة عدن لإعلان خطوة أخرى في العمل الوحدوي، حيث تم اغتياله في الحادي عشر من شهر أكتوبر 1977م، ولأول مرة في مقتل الرؤساء تقيد حالة الاغتيال ضد مجهول إلا أن المصادر المعاصرة قد أفصحت مؤخرًا بأن خلفه الرئيس «أحمد الغشمي» هو القائم بالاغتيال بدعم ومساندة قوى إقليمية صاحبة المصلحة.
خلف الرئيس الحمدي في منصب الرئاسة أحمد الغشمي الذي لم يستمر في الحكم أكثر من سبعة أشهر رغم محاولته الإصلاحية في نظام الحكم، حيث أعاد العمل بالدستور وشكل مجلس تشريعي سُمي بمجلس الشعب التأسيسي وأعلن عن مواصلة الإصلاحات الاقتصادية في البلاد على هدى الرئيس الراحل، كما ربطته بالرياض علاقة تحالف كما عمل على مواصلة التنسيق والتقارب بين صنعاء والرئيس سالم ربيع في عدن قائد الجناح اليساري المعتدل، إلا أن الصراعات الداخلية بين جناحي السلطة في عدن قد دفعت بالجناح اليساري المتطرف أن يدبر لجريمة اغتيال للرئيس أحمد الغشمي في صنعاء ليتهم فيها الرئيس سالم ربيع قائد الجناح المعتدل فقبض عليه بعد مواجهة عسكرية سريعة وتم محاكمته عسكريًا وأعدم بعد يومين فقط من اغتيال الرئيس أحمد الغشمي، وبهذا استطاع الجناح الماركسي في عدن أن يتخلص من رئيسي الشطرين الذي اتهمها بالتآمر للقضاء عليه بدعم ومساندة أحد دول الجوار الرجعية، عندها دخلت اليمن في حالة من عدم الاستقرار واتهمت صنعاء قيادة الجبهة القومية باغتيال الرئيس الغشمي ومحاولة إسقاط النظام بصنعاء وتداركًا للوضع شكلت القيادة السياسية والعسكرية بصنعاء مجلس للرئاسة وخلال الفترة بين 24 يونيو 1978م وحتى 17 يوليو من نفس العام تم انتخاب المقدم علي عبد الله صالح رئيسًا للجمهورية من قبل مجلس الشعب التأسيسي فأفصح الرئيس صالح عن برنامجه السياسي، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكم المدني والتخلي عن الطابع العسكري امتدت بين عامي 1978م وحتى الإعلان عن إقرار الميثاق الوطني وتأسيس المؤتمر الشعبي العام في 24أغسطس 1982م، وهي المرحلة الأخيرة في هذه الدراسة والأولى في بنيان الحياة السياسية المعاصرة وتطورها في اليمن حتى الوقت الحاضر.
وأهم ما تميزت به المرحلة بين 17 يوليو 1978م وحتى 24 أغسطس 1982م، هي دمج المؤسسة العسكرية والمدنية في بوتقة واحدة احتوت على مختلف القوى السياسية والعسكرية والمدنية والقبلية والاجتماعية في إطار المؤتمر الشعبي العام، والقضاء على التمردات المسلحة اليسارية في الساحة، والحرب مع عدن في 1979م واتفاق الوحدة وتأسيس قاعدة لعلاقات تعاونية بينهما ، وتفعيل مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وإحياء دور الهيئات التعاونية، وتكوين علاقة متوازنة مع قطبي النظام الدولي، والاستفادة الإيجابية من دول الجوار الإقليمي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، والمشاركة الإيجابية في منظومة العمل العربي، وفي مقدمتها مناصرة القضية الفلسطينية.
وعمد الرئيس صالح إلى احتواء مختلف مراكز القوى السياسية والقبلية في البلاد وأدخلها في منظومة المشاركة في الحكم من خلال العديد من الأطر، حيث عمد إلى توسيع صلاحيات مجلس الشعب التأسيسي وزيادة عدد أعضائه من خلال الإعلان الدستوري الصادر في أبريل 1979م ، وأصبح عدد أعضاء المجلس مائة وخمسون عضوًا امتدت صلاحياته إلى التشريع والرقابة. كما عزز دور الهيئات التعاونية وإنشاء المجالس البلدية في عواصم المدن إلى جانب المجلس الاستشاري الذي احتوى من خلاله عدداً من الرموز القبلية والسياسية بهدف خلق نوع من الاستقرار في البلاد، إلا أن هذه الإصلاحات لقيت العديد من الصعاب التي كادت أن تطيح بالرئيس، وتدخل البلاد برمتها في أتون حرب أهلية أخرى بعدما تعرض لمحاولة انقلابية في الخامس عشر من أكتوبر 1978م ، دبرها التيار الناصري من رجال العهد السابق وبمساندة القطر الليبي..
دخلت البلاد على أثر ذلك في مواجهات عسكرية مستمرة في المناطق الوسطى المحاذية لنظام الجبهة القومية في عدن وكانت عناصرها من الجبهة الوطنية الديموقراطية اليسارية وعناصر التنظيم الناصري الذين كانوا يتلقون الدعم المادي والعسكري من قيادة الجبهة القومية في عدن والقيادة الليبية.
بينما ف كانت القيادة في صنعاء تعمل على احتواء الموقف تارة وتصعيده تارة أخرى، دخلت صنعاء وعدن في احتكاك مباشر من خلال حملات إعلامية متزايدة فتحركت الحشود العسكرية على الحدود بين الطرفين أفضى إلى مواجهة عسكرية في نهاية شهر فبراير 1972م، كان التفوق واضحاً لقوات حكومة عدن التي سيطرت على عدد من المدن في الشمال، نتيجة للتفوق العسكري المدعوم من الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية الأخرى، الأمر الذي أنذر بمواجهة إقليمية ودولية كبيرة، إلا أن القيادة السياسية بصنعاء أحرزت تفوقًا سياسيًا كبيرًا حيث نقلت المعركة إلى جامعة الدول العربية فتدخلت الجامعة بتشكيل وفد رباعي من كل من دولة الأردن، والعراق، وسوريا، والأمين العام لجامعة الدول العربية، الذي بدوره مارس دورًا كبيرًا في الضغط على عدن بوقف الحرب والانسحاب الفوري من المناطق التي سيطرت عليها واستطاعت الوساطة العربية أن تسيطر على الموقف وأعلنت عن وقف الحرب في 13/3/1979م، التقى على أثرها رئيسا صنعاء وعدن خلال الفترة من 28ـ30 مارس 1979م في العاصمة الكويتية ووقعا بيانًا يقضي بمواصلة تنفيذ الخطوات الوحدوية بموجب اتفاقية القاهرة وبيان طرابلس.
وقد مثلت اتفاقية الكويت عام 1979م ورفع شعار الوحدة مخرجًا للطرفين حيث أتاحت الفرصة أمام القيادة في عدن للتخلص من موجة الإدانة الشعبية التي حملتها مسئولية ما يجري في صنعاء وعدن معاً، ناهيك عن كسر العزلة التي فرضت عليها عقب اغتيال الرئيس الغشمي، فيما تجاوزت صنعاء حالة الاحتقان الداخلي من ناحية وفتحت قنوات حوار مستمرة مع عدن بهدف تقليص الدعم والنفوذ للجبهة الوطنية اليسارية المعارضة في الشمال، كما استطاعت صنعاء أن توظف كل الأحداث على الساحة لصالحها حيث حصلت على صفقة أسلحة أمريكية بتمويل سعودي قدرت بمبلغ نصف مليار دولار أمريكي دون الخضوع للشروط السعودية الأمريكية بالاستغناء عن التسليح الشرقي على غرار سلفه الرئيس الحمدي، حيث عقد الرئيس صالح خلال نفس العام صفقة أسلحة تفوق الصفقة الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا قدرت بمبلغ سبعمائة مليون دولار أمريكي ورغم الاحتجاج السعودي والأمريكي على الصفقة إلا أنه لم يثنيه عن إتمامها انطلاقًا من قاعدة استقلال القرار اليمني، مع إثبات حسن النوايا لكل الأطراف إزاء ما يقوم به من أعمال تعد من "أعمال السيادة الوطنية". واستطاعت صنعاء أن تلعب دورًا عربيًا وإقليميًا بارزًا حيال القضايا العربية والإقليمية من خلال تقديم العديد من المبادرات والرؤى التي عبرت عن شخصيتها المستقلة، كما حظيت القضية الفلسطينية باهتمام بالغ في سياسة اليمن الخارجية وتحركاتها الدبلوماسية، وحظي الرعايا الفلسطينيين بكامل الرعاية حيث فتحت اليمن أبوابها للنازحين من لبنان في عام 1982م ، وأنشئت معسكرات خاصة للفلسطينيين على أراضيها، كما أنشئت إذاعة خاصة لهم تبث من الأراضي اليمنية، كما تم فتح مكاتب للشباب المتطوع من اليمنيين في صفوف المقاومة الفلسطينية، وحظيت منظمة التحرير الفلسطينية بكامل الحقوق الدبلوماسية كأي سفارة في اليمن، ونظمت حملات جمع التبرعات الرسمية والشعبية لصالح القضية الفلسطينية ومنح قادة منظمة التحرير أعلى الأوسمة في اليمن، فيما لم تخرج اليمن عن الإجماع العربي حيال القضايا العربية الأخرى ومنها قضية اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل ومعاهدة السلام في نوفمبر 1977م إلا أنها أكدت رفضها لسياسة عزل مصر عن الشئون العربية نظرًا لوزنها الحضاري والبشري وأهميتها الإستراتيجية في المنطقة حيث أبقت اليمن على علاقتها الثقافية والتجارية مع مصر، كما ظهرت وجهة النظر اليمنية حيال أحداث القرن الإفريقي من خلال الدعوة لعقد قمة للدول المطلة على ساحل البحر الأحمر للخروج بقرارات من شأنها استبعاد البحر الأحمر من دائرة المنافسة الدولية ليبقى منطقة أمن وسلام لجميع دول المنظومة الدولية.
وبهذا استطاع أن يكسب ثقة الشرق والغرب معًا والحصول على العديد من المساعدات التي ساعدته في التغلب على المعارضة اليسارية الداخلية المستمرة، وقد انتهج الرئيس صالح أسلوب الحوار والتفاوض وسيلة لتهدئة الأوضاع الداخلية في أحيان كثيرة والاتجاه إلى الحسم العسكري كلما اقتضت الضرورة ذلك، من خلال تكوين شبكة من التحالفات الداخلية مع القوى القبلية والجماعة الإسلامية وغيرها من القوى على الساحة ضد القوى اليسارية المعارضة التي اتخذت من المواجهة العسكرية أسلوبًا لها والتي منيت خلالها بالعديد من الهزائم التي أجبرتها على التفاوض والقبول بالحلول السياسية.
فيما اتجه الرئيس صالح إلى إيجاد صيغة توفيقية بين جميع التيارات والقوى الموجودة على الساحة اليمنية بهدف الخروج من نفق التناقضات والصراعات القبلية والعشائرية والتعددية غير الناضجة من الأفكار والمعتقدات السياسية اليمينية واليسارية، وكان لا بد عليه من تأسيس تنظيم سياسي لسد حالة الفراغ داخل الساحة في ظل حظر الحزبية دستوريًا.
 فعمد الرئيس صالح إلى تشكيل ما عرف بـ"لجنة الحوار الوطني" من مختلف ألوان الطيف السياسي والقبلي في البلاد وأساتذة الجامعات والمثقفين والعلماء بهدف صياغة وثيقة برنامجية عرفت بـ"الميثاق الوطني" فصدر بإنشاء هذه اللجنة قرارًا جمهوريًا خلال شهر مايو عام 1980م تكونت من واحد وخمسين شخصًا استطاعوا أن يصيغوا وثيقة "الميثاق الوطني" الذي اشتمل على منظومة شاملة للنهضة الوطنية وتكوين المؤتمر الشعبي العام الذي عقد مؤتمره العام التأسيسي الأول في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1982 لتبدأ معه مرحلة جديدة من مراحل البناء الوطني لليمن المعاصر.

الباحث: د / حفظ الله يحيى يوسف تميم الأحمدي 
الدرجة العلمية: دكتوراه
الجامعة: جامعة أسيوط
القسم: تاريخ حديث
بلد الدراسة: مصر
لغة الدراسة: العربية
تاريخ الإقرار: 2008
نوع الدراسة: رسالة جامعية 


أحدث أقدم